هل يدفع كورونا الانسان اليوم إلى المصالحة مع ذاته وكوكبه(رؤية فلسفية)/الأستاذ أحمد طالب

جمعة, 20/03/2020 - 18:20

 
جميل قول باسكال " ان الإنسان هو كل شيئ في مقابل اللاشيء واللاشيء في مقابل كل شيئ. " 
وهو ما يعني أن الإنسان قيمة كل القيم اذا ما قورن بكل المواجيد الاخري  ،ويتحول إلي عدم إذا ما قورن بخالقه  ،فهو الكائن العاقل المالك الحر ، تلك الصورة التي لم تكتفي فلسفات الحداثة بترسيخها ، بل حاولت أن ترغمه عليها ،أي ان يتكفل بهمة صنع ذاته.
ذا لك هو الدرس الذي لم تكد البشرية تستوعبه حتي تيقظت علي درس جديد بمفاهيم جديدة أكثر استخداثا،  ذلك هو شأن " مرحلة مابعد الحداثة " ليتحول السؤال من ذات تبحث عن نفسها إلي ذات تبحث عن انطولوجيا الفهم  ،فمشروع الحداثة لم يكتمل بعد بتعبير هابرماس ،ما يجعل البحث عن نموذج للتفاعل المستمر بين الذوات مطلبا حتميا .
كيف يمكن للفلسفة أن تتحول من مفهوم الإنسان الذات إلي مفهوم الإنسان / نحن ؟
لعل ما تستدعيه اللحظة الراهنة اي واقع الأزمة الحاليه .، اي هذه الأزمة الكونية هو البحث في واقع علاقة الإنسان بذاته ومن ثم علاقته بالآخر وكوكبه .
صحيح ان عصر الحداثة مكن الإنسان من فهم أكثر لمحيطه بل ومن الانتصار علي الطبيعة وترويضها( لمصالحه ) حتي أنه تمكن من توسيع دائرة عيشه إلي حد يمكن مع القول ان اساس استمرارية الحياة المعاصرة في الفضاء لا علي كوكب الا رض " فحيانتا المعاصرة استمرارية نشاطها تتحكم فيه الأقمار الاصطناعية " والفضاء بعد معرفي يحسب لإنسان عصر اليوم أنه الوحيد الذي يفهم ويعرف عنه مالم يتمكن إنسان حضارة أخري قبله من معرفته .
ولكنه في المقابل يحسب عليه أنه إنسان الحضارة الوحيد حد الساعة ،الذي نسي من يكون ،فهو إنسان تنازل عن ما يشحذ انتماءه لنفسه ،ذا لك ما نبهنا أبيه إريك فورم عندما ميز بين الأنا والذات اي بين ما يكون به الإنسان ليمثل كينونته ،وبين ما يمتلكه ويمكن استبداله او تعويضه وإلغاء، لأنه عرض لا يتعلق بماهية وجوده . 
فهذا التمييز له ما يبرره داخل الواقع المعاصر ،الذي يؤسس لثقافة نفعية استهلاكية أساسها الملكية التي تضخم من رصيد الرغبات والعمل علي تنميتها وتعميمها بالنسبة للجميع في مقابل الثقافة الانطولوجية "التي تقوم الكينونة والماهية ،فوجود الذات مرتبط بالخاص والحيوي اي روابط تدعم حقيقة انتماءه إلي وجوده .
ان انقلاب الموجه القيمي ،من قيم الكينونة إلي قيم الملكية من شأنه طمس كل ماه إنساني فينا ،فلم تفعل مقولة الملكية سوي تمدية الإنسان وتشييئه ،فكل شيء مقياسه أما الربح المادي او نظام المصالح والمنافع المادية المتحققة. 
يضاف إلي ذا لك أن عصر اليوم يزيد من مضاعفة الحرمان، لأنه ييسر مبدأ التنازل عن الهوية والانخراط التلقائي في النموذج الكوني ،ذلك هو حال مجتمعات العالم الثالث إزاء العالم الثاني او الغني او( المتقدم )
فأنشأ ثقافة المكليلة أفقد الإنسان كل يجعل منه إنسان فأصبح كائنا مغتربا عن ذاته والآخر والعالم .                          وهنا يحضرني قول هابرت ما كوز  في كتابه (الإنسان ذو البعد الواحد )"...ان الناس يتعرفون علي انفسهم في سلعهم ،انهم يجدون روحهم في سياراتهم ،في جهاز التسجيل ،في المنزل المريح وأدوات الطبخ .لقد تغيرت الاليه التي تربط الفرد بالمجتمع واستقرت السيطرة الإجتماعية في داخل الحاجات الجديدة التي ابتكرها"
فانسان هذا العصر تنحصر قيمته  في السيارة التي يمكلها او القصر الذي يسكنه او الساعة التي في معصمه انه باختصار انسان ذو بعد واحد بتعبير هاربرت ماركوز 
هذا الواقع سببه جشع لا متناه دفعه إلي استخراج ثروات الأرض بسرعة لا متناهية تدعمها آلة لا تتوقف حركتها إلا لتتحركة بقوة أكثر وجبروت أعظم .
ولكنها الآلة نفسها التي توقفت الآن والتي يجب التفكير في تحريكها بطريقة أكثر عقلانية ،بل ان الإنسان يجد نفسه اليوم في ظل الأزمة الراهنة والتي كشفت هشاشة عالمه الذي بناه مرغما علي التفكير بجدية ،إلي التنبه أكثر في تأسيس اتيقا جديدة تبين أن جوهر الإنساني حاضر في كل الحضارات وكل البني الثقافية علي تنوعها اختلافها ،إذ توجد دائما روح إنسانية تجمع كل الشعوب عبر التاريخ البشري ذا لك ما دعي إليه هانز كونغ اي إيجاد أخلاق عالمية "لا يمكن للإنسان العيش بدون أخلاق عالمية " والمصالح مع كوكبه حيث اعتبر تايلور " ان الإنسان كان يعيش مع الطبيعة علاقة حميمية ولكن التقنية أفسدت تلك العلاقة ".
لقد تلاشت الحدود التي ر سمناها لعالمنا"عالم أول وثان وثالث"أمام الأزمة الحاليه فالضحت خيالا "فالعالم واحد وكل نشاط يندرج داخل هذا العالم "قالها قسدروف سابقا  ويقول ها كورونا حاليا 
 فلابد من طرح السؤال من جديد عن المستقبل فطرح السؤال عن مستقبلنا المتحرك يفرض علينا التفكير في اهتماماتنا والشروط التي تجعل المجتمع الإنساني آمنا ،وهو ما يعني الانتقال من الفعل الفردي إلي الفعل الكوني الذي لا ينشد المشاريع الجزئية بل بناء مشروع واحد لدولة واحدة هي العالم،اذ لا شيئ أنفع للإنسان من بين الاشياء الفردية من إنسان......

French English

إعلانات