
بين رذاذ المحيط الأطلسي ورائحة الملح التي لا تغادر أزقة المكان، وعلى طرف اللسان البحري المتوغل في الأطلسي، حيث كانت تعرف الجغرافيا قديما بـ"بور أتين"، تجثم بناية "الشركة الصناعية للصيد الكبير" (SIGP) المعروفة محليا باسم "سيجب".

ليس المكان مجرد جدران متهالكة تتداعى أمام رطوبة البحر بل مكان يروي كيف تحولت نقطة شاطئية نائية إلى عاصمة اقتصادية ينبض قلبها بالبحر.


بعد أكثر من قرن من الزمن من وضع حجر الأساس، ما تزال الأطلال تقاوم النسيان وتسرد قصة التحول الدرامي من شاطئ مهجور إلى عاصمة موريتانيا الاقتصادية.
نواة العمران الأولى

تعود البداية إلى عام 1919، عندما وضع تكتل من الصناعيين الفرنسيين رأسمالا يناهز 8 ملايين فرنك للاستثمار في مياه الصحراء الأطلسية الغنية، لكن العمل الفعلي لم يدب في أوصال المنشأة إلا بين عامي 1924 و1925 على مساحة شاسعة بلغت 2.5 هكتار على شاطئ البحر.
لم تكن "سيجب" مجرد مصنع تجاري، بل كانت خرسانة البناء التنظيمي الأول؛ إذ ضمت أحواض التمليح العميقة، ومغاسل الأسماك الحديثة بمقاييس عصرها، ومخازن التجهيز والتجفيف، ومستودعات المواد الاحتياطية التي مازال بعضها أطلالا ماثلة في المدينة إلى اليوم كشاهد على حقبة تاريخية طويلة.

وحين شيدت مساكن العمال والمسؤولين بتوجيه من مديرها الأول "بيير باريس" ومن بعده رجل الأعمال "بيرنو"، كانت تلك البيوت الصغيرة تشكل النواة الأولى لنشأة العمران، ومن رحمها ولد حي "أشاركا" الشهير الذي ما يزال قائما ومحاذيا للشاطئ حتى اليوم كذاكرة للمدينة الاقتصادية بعقود حتى قبل تأسيسها.
شريان التجارة الأطلسية

في أوج ازدهارها خلال منتصف العشرينيات، شغّلت الشركة نحو 200 عامل، وهو رقم ضخم بمقاييس تلك الفترة، وصنعت الشركة منظومة اقتصادية فريدة؛ ففتحت جسور التواصل مع صيادي مجتمعات "إمراغن" السكان الأصليين للساحل، لاشتراء أسماك "أزول"، بينما كانت سفنها تمخر العباب لتصدير "الجراد البحري" إلى الموانئ الفرنسية، وتنقيل كميات هائلة من الأسماك المملحة نحو جزر الكناري.
.jpg)
على مدار أربعة عقود متواصلة، ظلت "سيجب" المحرك الأساسي للحياة البحرية والتجارية، حتى حان موعد استقلال البلاد عام 1960، ليتوقف النشاط المباشر للشركة وتتحول التجربة برمتها إلى الهوية الرسمية لمدينة نواذيبو.

المعلمة التي ماتزال إلى اليوم شاهدة على حكاية نشأة الصيد في القديم والحديث لما سيعرف لاحقا بعاصمة موريتانيا الاقتصادية ، ورغم مرور أزيد من قرن من الزمن إلا أن معالمها بقيت ماثلة لكل زائر من الحي الذي نشأت فيه ،وهي الأن بين أكبر مؤسستين :ميناء نواذيبو المستقل وخفر السواحل.
ذاكرة تبحث عن صيانة

اليوم، بعد مرور أكثر من قرن على ذلك التحول التاريخي، يقف مقر الشركة صامدا في وجه النسيان، وإن تقطعت أحشاؤه بتمدد العمران الحديث الذي اقتطع أجزاء من مساحته الأصلية، فيما اندرس العديد من البنايات الأصلية للحي بفعل عاديات الزمن وأصبح يروي حكاية تاريخية لها رمزيتها لدى السكان في المدينة.
لقد تحول المقر اليوم إلى سكن شعبي يعاد طلاؤه بجهود مجتمعية ورسمية مع كل عيد استقلال، كنوع من الاحتفاء الرمزي بتراث المكان.
وفي المحيط المباشر للمبنى، تتنفس الأسواق المجاورة تلك الذكرى؛ إذ تنتشر محلات تجارية تحمل اسم "السمك الأزرق"، في استحضار عفوي لرموز الحقبة الذهبية.

يرى الباحث في تاريخ نواذيبو القديم عبد الباقي العربي بأن الشركة بالفعل حددت هوية وتاريخ نواذيبو القديم ، مشيرا إلى أنها من أهم المعالم السياحية والتاريخية لمدينة نواذيبو التي ماتزال أثارها قائمة إلى اليوم.
ورأى ولد عبد الباقي في تصريح ل"نواذيبو -أنفو" أن المعلمة تكتسي أهمية خاصة بالنسبة للسكان وتروي تاريخا قديما للمدينة الشاطئية والساحلية وينبغي أن تحظى بأهمية خاصة.
وطالب ولد العربي بإعادة الاعتبار إلى هذه المعلمة التاريخية التي تشكل تراثا ينبغي أن يحظى بالعناية اللازمة من قبل الجهات الرسمية وإدراجه في المنظومة التعليمية من أجل تعريف الأجيال القادمة به.
بقلم : الشيخ سيدي ابراهيم ولد الداه
.jpg)


(1).gif)


